شفى يسوع أعمَيَيْن عند مدخل أريحا

نصّ الإنجيل

وبينما يسوع وتلاميذُهُ خارِجونَ مِنْ أريحا، تَبِعَهُ جَمْعٌ كبير. وإذا أعمَيانِ جالسانِ على جانِب الطريق، فلَمّا سَمِعا أنَّ يسوعَ مارٌّ صاحا:


" رُحْماكَ سيِّدي، يا ابنَ داود ".

فانَتَهَرَهُما الجَمعُ ليَسكُتا. فصاحا أشَدَّ الصياح : " رُحْماكَ سيِّدي، يا ابنَ داود". فوَقَفَ يسوع ودعاهُما وقال : " ما حاجَِتُكُما إليَّ " قالا لهُ : " سيِّدي، أنْ تُفْتَحَ أعيُنُنا ". فأشفَقَ يسوعُ عليهِما، ولَمَسَ أعيُنَهُما، فأبصَرا مِنْ وَقتِهِما وتَبِعاهُ. (متّى 20/29-34)

أريحا المدينة القديمة والمدينة الحديثة

قضى يسوع مدّةً قصيرة في مدينة أفرائيم القريبة من القدس، ثمّ غادرها وانحدر مع تلاميذه إلى مدينة أريحا. لم تكُن أريحا في أيام يسوع مدينةً واحدة، بل كانت مدينتين، الواحدة قديمة جدّاً، وفيها مجموعةٌ قليلة من البيوت،


والثانية حديثة بناها الملك هيرودُس الكبير وجمّلها. كانت المدينة الحديثة واسعة، وفيها كلّ وسائل الترفيه، كما كانت فيها جميع الدوائر الحكوميّة، الإداريّة والقضائيّة والماليّة.

ومرّ يسوع بالمدينة القديمة وخرج منها ليدخُلَ إلى المدينة الحديثة، فالتقى أعْمَيَينِ بين المدينتين كانا يتسوّلان، فأعاد إليهما البصر. وهذا ما حمل متّى ومرقُس الإنجيليّين على القول إنّ يسوع قد خرج من أريحا، ودفع لوقا الإنجيلي إلى أن يقول إنّه قد اقترب من أريحا ليدخلها.


وأوضح تفسير لهذَيْن القولَيْن المتناقضَيْن في الظاهر أنّ يسوع خرج من المدينة القديمة واقترب من المدينة الحديثة فالتقى الأعمَيَين.

وذكر متّى في إنجيله أنّ يسوع شفى أعمَيَيْن. أمّا مرقس ولوقا فلم يتحدّثا إلاّ عن أعمى واحد، وهو ابن طيماوس. وقد اكتفيا بذكره وحدَهُ لشُهرته بين الناس وبين المسيحيّين الأوّلين.

رُحماكَ يا ابنَ داود

إنّ معجزات يسوع العظيمة قد جعلت الكثيرين من اليهود يؤمنون بأنّ يسوعَ ابنَ داود هو المسيحُ المنتظَر الذي تنبَّأَ عن مجيئه الأنبياء، وكان الأعميان من بينهم. فلمّا عرفا أنّ يسوع اقترب منهما أخذا يصيحان بأصواتٍ عالية : " رُحماكَ يا ابنَ داود " أيْ رُحماكَ أيّها المسيح.

أمّا الفرّيسيّون وأنصارهم الذين رفضوا أن يعترفوا بأن يسوع هو المسيح المنتظَر، فقد انتهروا الأعمَيَيْنِ ليَسكُتا. ولكنّهما أخذا يصيحان صياحاً أشدّ.

ما حاجتُكُما إليَّ

سمع يسوع أصواتهما العالية، فتوقّف عن متابعة طريقه، واستدعاهما إليه، فأسرعا في المسير، وألقى ابن طيماوس عنه عباءته ووثب إلى يسوع، وفي نفسه الأمل العظيم في نيل الشفاء. فقال لهما يسوع : " ما حاجتُكُما إليَّ "

كان يسوع يعرف تمام المعرفة أنّ الأعمَيَيْن يريدان منه أن يعيد إليهما البصر. ومع ذلك فقد طرح عليهما هذا السؤال وفي نيّته أن يدفعهما إلى التعبير عن قدرته الإلهيّة. وهذا ما فعلاه عندما قالا له : " يا مُعَلِّم أن نُبْصر ".

المقابلة بين البصر المادّي والبصر الروحي

أقام بعضُ الآباء القدّيسين مقابلةً بين البصر المادّي والبصر الروحي. إنّ البصر المادّي يُطلعنا على ما في الكون من جمال، ويُفسح لنا المجال للعمل والاتّصال بالآخرين والتعامل معهم، ويُجنّبنا كثيراً من المخاطر.

لذلك نحن نعتبر أنّ البصر المادّي نعمةٌ من أسمى نِعَمِ الله الأرضيّة علينا، إذْ إنّ الأعمى يعيش في جوٍّ قاتم من الظلام الذي يحرمه التمتّع ببهجة الحياة وبفوائدها الكثيرة. أمّا البصر الروحي فهو الإيمان الواثق بيسوع.


إنّ هذا الإيمان يُطلعنا على سموّ شخصه الإلهي، وعلى الأعمال الفائقة التي قام بها حبّاً لنا، وعلى التعاليم الرائعة التي تدلّنا على طريق الخلاص وتجنّبنا خطر الهلاك الأبديّ. ولذلك فإنّ الإيمان نعمة من أعظم نِعَمِ الله الروحيّة علينا، إذ إنّ الأعمى روحيّاً يعيش في جوّ الخطيئة القاتم الذي يحرمه التمتّع بالفوائد الروحيّة العظيمة وبأفراح الحياة الأبديّة السعيدة.

نحن المسيحيّين نكون في بعض الأحيان عمياناً

استجاب يسوع طلب الأعمَيَيْن وأعاد إليهما البصر في الحال. ولمّا أبصرا نور هذه الدنيا قدّرا النعمة التي حصلا عليها حقَّ قدرها، فتبعا يسوع وهما يشكران له صنيعه معهما.

نحن المسيحيّين نكون في بعض الأحيان عُمياناً لا نرى نور يسوع، ولا نسعى إلى رؤية هذا النور الإلهي، ولا نقوم بأيّ جَهدٍ خاص لكي نتبع يسوع في سلوكنا الفردي وتصرّفاتنا اليوميّة. إنّ لهذا العمى الروحي الذي نعيش فيه، ولا نشعر بمساوئه، أسباباً كثيرة، وإليكم أهمّها :

1- انشغالُنا المفرط بشؤون هذه الدنيا ومطالبها وتأمين منافعها، والتمتّع بوسائل الترفيه فيها، المحلّلة منها والمحرّمة.

2- انصرافُنا المتواصل إلى القيام بما تميل إليه أطماعنا المادّية من أعمال فيها الكثيرُ من الكَذِب والخداع والغشّ وسلب حقوق الناس بأساليب ملتوية أو خفيّة.

3- عيشُنا في جوٍّ مُطبق من الكبرياء والتعالي، أو من الحقد والخصام والرغبة في الانتقام من الآخرين وتحطيم شخصيّاتهم ومصالحهم المشروعة.

4- إعراضُنا التامّ عن شؤون الدين والعبادة، فلا ندخل الكنيسة إلاّ لقضاء الواجبات الاجتماعيّة المفروضة علينا، كالجنازات وحفلات الأكاليل. أمّا صلاة يوم الأحد الجماعيّة، والصلوات الفرديّة، فنُهملها إهمالاً تامّاً، فنعيش عيشة مَنْ لا دينَ لهم ولا إيمان بالله وبالآخرة.

إنّ هذه الأسباب وغيرها كالكسل وعدم الشعور بالواجب، تجعلنا نحن المسيحيّين عُمياناً لا نرى الطريق الذي يقودُنا إلى يسوع لنتبعه كما تبعه الأعميان بعد شفائهما.

الإنجيل نورٌ إلهيّ يُضيء للمسيحي طريق الخلاص

مَنْ كان منّا نحن المسيحيّين أعمى روحيّاً وعاش في جوّ الخطيئة المستمرّ لا يشعر بألم فقدان إيمانه وبصره الروحي. فهو يحتاج إلى ما يُساعده على أن يدنوَ من يسوع ليحظى بإعادة البصر الروحي إليه وينعم بنور الإيمان البهيج.

إنّ ما يساعده على الدنوّ من يسوع قراءةُ الإنجيل والتأمّلُ في كلام الله. فالإنجيل نورٌ إلهيّ يضيء للمسيحي الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه ليصل إلى يسوع ويسأله إعادة الإيمان المستنير.

إنّ قراءة الإنجيل والتأمّل فيه واستيعاب معانيه السامية أمورٌ تقتضي منه التفرّغ الهادئ ليسمع صوت يسوع يحدّثه ويصف لـه حالته الروحيّة البائسة وشناعة الخطايا التي يرتكبها، والخطر الجسيم الذي يتعرّض لـه. إنّ صوته يحرّك فيه عواطف التوبة والأسف والمحبّة، ويدفعه إلى أن يندم على ما بدر منه من سوء السلوك، ليرجع إلى الله في مسيرة حياةٍ فاضلة تُرضي قلبه الإلهيّ.

التطبيق العملي

1- إنّ الكنيسة تعرف ما يتعرّض له المسيحيّون من أخطار روحيّة وتجارب قويّة في مجالات مخالفة فضائل الإيمان والمحبّة والعفاف والعدالة والاستقامة المسيحيّة، فتُقيم كلّ سنةٍ مدّة أسبوعٍ كامل رياضة روحيّة تدعوهم إليها للصلاة وسماع كلام الله، بإقامة القداديس وإلقاء المواعظ والإرشادات الروحيّة.


إنّ للرياضة الروحيّة هدفاً واضحاً هو أن تهزّ المسيحيّين هزّاً داخليّاً عميقاً يحملهم على التفكير في مساوئ تصرّفاتهم اللاأخلاقيّة ويدعوهم إلى التوبة من خطاياهم ليسلكوا حياةً جديدة فاضلة.

2- إنّ الواقع الذي تعيشه شبيبتنا هو أنّها تستسلم إلى المظاهر والأعمال الخارجيّة، حتّى في مجال العبادة. لقد فقدت الرغبة في التأمّل والتعمّق، ونسيت فضل الإنجيل وأهمّيته، فتبنّت مواقف سطحيّة، فيها الكثير من الخطر على إيمانها وأخلاقها وتعلّقها بشخص يسوع.


فيا أيّها المسيحي فكّرْ في أسلوب تصرّفك لتُبعد عنك، بالصلاة والتأمّل الخطرَ الذي يجعلك تعيش على هامش الدين المسيحي لا في أعماقه.